ابن عربي

371

الفتوحات المكية

ما أعجبني فيما قيل إلا قوله وأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من دون أخمصك الحشر هكذا هو الرجل وإلا فلا يدعى أنه رجل وفي حين تقييدي هذا الوجه من هذه النسخة خاطبني الحق في سرى من اتخذني وكيلا فقد ولاني ومن ولاني فله مطالبتي وعلى إقامة الحساب فيما ولاني فيه فانعكس الأمر وتبدلت المراتب هذا صنع الله مع عباده الذين ارتضاهم واصطفاهم وما فوق هذا الامتنان امتنان ترتقي الهمة إلى طلبه فالعبد المحقق لا تخرجه هذه الرتبة عن علمه بقدره فما يتخذ الله وكيلا إلا من كان الحق قواه وجوارحه إذ يستحيل تبدل الحقائق فالعبد عبد والرب رب والحق حق والخلق خلق فإذا ظهر خرق عادة على مثل هذا فما هي كرامة عندنا لأن الكرامة تعود على من ظهرت عليه وإنما يتفق لمن هذا مقامه مثل ما اتفق لنا في مجلس حضرنا فيه سنة ست وثمانين وخمسمائة وقد حضر عندنا شخص فيلسوف ينكر النبوة على الحد الذي يثبتها المسلمون وينكر ما جاءت به الأنبياء من خرق العوائد وأن الحقائق لا تتبدل وكان زمان البرد والشتاء وبين أيدينا منقل عظيم يشتعل نارا فقال المنكر المكذب إن العامة تقول إن إبراهيم ع ألقى في النار فلم تحرقه والنار محرقة بطبعها الجسوم القابلة للاحراق وإنما كانت النار المذكورة في القرآن في قصة إبراهيم الخليل عبارة عن غضب نمرود عليه وحنقه فهي نار الغضب وكونه ألقى فيها لأن الغضب كان عليه وكونها لم تحرقه أي لم يؤثر فيه غضب الجبار لما ظهر به عليه من الحجة بما أقامه من الأدلة فيما ذكر من أفول الأنوار وأنها لو كانت آلهة ما أفلت فركب له من ذلك دليلا فلما فرع من قوله قال له بعض الحاضرين ممن كان له هذا المقام ولم تكن فإن أريتك أنا صدق ما قاله الله تعالى في النار أنها لم تحرق إبراهيم وأن الله جعلها عليه كما قال بردا وسلاما وأنا أقوم لك في هذا المقام مقام إبراهيم ع في الذب عنه لا إن ذلك كرامة في حقي فقال المنكر هذا لا يكون فقال له أليست هذه هي النار المحرقة قال نعم قال تراها في نفسك ثم ألقى النار التي في المنقل في حجر المنكر وبقيت على ثيابه مدة يقلبها المنكر بيده فلما رآها ما تحرقه تعجب ثم ردها إلى المنقل ثم قال له قرب يدك أيضا منها فقرب يده فأحرقته فقال له هكذا كان الأمر وهي مأمورة تحرق بالأمر وتترك الإحراق كذلك والله تعالى الفاعل لما يشاء فأسلم ذلك المنكر واعترف فمثل هذا يظهر على تارك الكرامات فإنه يقيمها في زمانه نيابة عن الرسول ص في المعجزة والآية على صدقه فجاء بها لإقامة الدليل على صدق الشارع والدين لا على نفسه إنه ولي لله بخرق هذه العادة فهذا معنى ترك الكرامات ولها رجال وهم الملامية خاصة وأما الصوفية فيظهرون بها وهي عند الأكابر من رعونات النفوس إلا على حد ما ذكرناه ( الباب السادس والثمانون ومائة في معرفة مقام خرق العادات ) خرق العوائد أقسام مقسمة * أتى بها النظر الفكري محصوره منها معينة بالحق قائمة * كالمعجزات على الإرسال مقصورة وما سواها من الأقسام محتمل * وليس للعلم في تعيينه صوره وكلها في كتاب الله بينة * فقف عليه تجدها فيه مسطورة بشرى وسحر ومكر أو علامته * وكلها في كتاب الله مذكورة فهذه خمسة أقسامها انحصرت * للناظرين وفي الأكوان مشهورة اعلم أن مقام خرق العادات على وجوه كثيرة منها ما يكون عن قوى نفسية فإن أجرام العالم تنفعل للهمم النفسية هكذا جعل الله تعالى الأمر فيها وقد تكون عن حيل طبيعية معلومة كالفلقطيرات وغيرها وبابها معلوم عند العلماء وقد تكون عن نظم حروف بطوالع وذلك لأهل الرصد وقد تكون بأسماء يتلفظ بها ذاكرها فيظهر عنها ذلك الفعل المسمى خرق عادة في ناظر عين الرائي لا في نفس الأمر وقد تكون في نفس الأمر على قدر قوة ذلك الاسم وهذه كلها تحت قدرة المخلوق بجعل الله وثم خرق عوائد مختصة بالجناب الإلهي ليس للعبد فيها تعمل ولا قوة ولكن يظهرها الله عليه أو تظهر عنه بأمر الله وإعلامه وهي على مراتب منها ما تسمى معجزة ولها شروط ونعت خاص معلوم ومنها ما تسمى آية